أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
513
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : إِلَّا كُتِبَ : كنظيره . والمضمر : يحتمل أن يعود على « الْعَمَلُ الصَّالِحُ » المتقدم ، وأن يعود على أحد المصدرين من : « يُنْفِقُونَ » و « يَقْطَعُونَ » ، أي : إلّا كتب لهم الإنفاق أو القطع . وقوله : « لِيَجْزِيَهُمُ » متعلق ب « كُتِبَ » . وفي هذه الجمل من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى على متأمله ، لا سيما لمن تدرّب بما تقدم في هذا الموضوع . قوله : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ : « لولا » تحضيضية ، والمراد به الأمر . و « مِنْهُمْ » يجوز أن يكون صفة ل « فِرْقَةٍ » ، وأن يكون حالا من « طائِفَةٌ » ، لأنها في الأصل صفة لها . وعلى كلا التقديرين فيتعلق بمحذوف . والذي ينبغي أن يقال : « إنّ من كلّ » حال من « طائِفَةٌ » ، و « مِنْهُمْ » صفة ل « فِرْقَةٍ » . ويجوز أن يكون « مِنْ كُلِّ » متعلّقا ب « نَفَرَ » . وقوله : « لِيَتَفَقَّهُوا » في هذا الضمير قولان : أحدهما : أنه للطائفة النافرة ، على أن المراد بالنفور : النفور لطلب العلم ، وهو ظاهر . وقيل « 2 » : « الضمير في « لِيَتَفَقَّهُوا » على الطائفة القاعدة ، وفي « رَجَعُوا » عائد على النافرة ، والمراد بالنفور : نفور الجهاد ، والمعنى : أن النافرين للجهاد إذا ذهبوا بقي إخوانهم ، يتعلمون من رسول اللّه الفقه ، فإذا رجع الغازون أنذرهم المقيمون ، أي : علموهم الفقه والشرع . قوله : غِلْظَةً : قرأها الجمهور بالكسر ، وهي لغة أسد ، وقرأ الأعمش ، وأبان بن تغلب ، والمفضل ، كلاهما عن عاصم « غِلْظَةً » بفتحها ، وهذه لغة الحجاز . وقرأ أبو حيوة ، والسّلميّ ، وابن أبي عبلة ، والمفضل ، وأبان في رواية عنهما « غِلْظَةً » ، وهي لغم تميم ، وحكى أبو عمرو اللغات الثلاث . والغلظة : أصلها في الأجرام ، فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجلد . وقوله : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ هو من باب : « لا أرينّك ههنا » ، وتقدم شرحه « 3 » . قوله : أَيُّكُمْ زادَتْهُ : الجمهور على رفع « أَيُّكُمْ » بالابتداء ، وما بعده الخبر . وقرأ زيد بن علي ، وعبيد بن عمير بالنصب ، على الاشتغال ، ولكن يقدر الفعل متأخرا عنه من أجل أن له صدر الكلام . والنصب عند الأخفش في هذا النحو أحسن من الرفع ، لأنه يجري اسم الاستفهام مجرى الأسماء المسبوقة بأداة الاستفهام ، نحو : « أزيدا ضربته ؟ » في ترجيح إضمار الفعل . قوله : أَ وَلا يَرَوْنَ : قرأ حمزة « ترون » بتاء الخطاب ، وهو خطاب للذين آمنوا . والباقون بياء الغيبة ، رجوعا على « الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » . والرؤية هنا يحتمل أن تكون قلبية ، وأن تكون بصرية . ( 1 ) انظر ديوان ( 398 ) البحر ( 5 / 88 ) القرطبي ( 8 / 291 ) .
--> ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 114 ) . ( 3 ) انظر سورة الأنفال آية ( 25 ) .